يا خرطوم جوطي جوطي
الظلم في رحلة البحث عن العدالة
ســـمســم
في العام 2019 كانت الثورة السودانية (قامت ضد نظام الحركة
الإسلامية الذي استولى على السلطة بإنقلاب عسكري وظل على رأسها منذ عام 1989م)
في أوجها، وكان الآلاف من الشباب السودانـــــي يحتشد في شوارع الخرطوم بمدنها
الثلاثة، وولايات السودان الأخرى. كنتُ مشاركة مواظبة في المواكب والمظاهرات في
شوارع الخرطوم وأمدرمان. أتذكر جيداً ذلك اليوم في أحد المواكب المركزية الضخمة،
وفي خضم اللحظات الثورية وهتافاتها الجميلة التي ملأت قلبي بنشوة الأمل والإنتماء،
وأنستني الكثير من تفاصيلي الشخصية التي لم تبدُ مهمة في سبيل الهدف السامي الذي
كان يسعى له ذاك الجمع الغفير الهادر. فجأة تعالت الضحكات الساخرة من حولي بعد أن صاح
بعض الشـــــبــــــــاب بهتافٍ قائلين (يا خرطوم جوطي جوطي، ما بيحكمنا واحد لـــــوطـــي).
رغــــم أن صياحهم لـــــــــــم يـــــــــدم طــويلاً بسبب أن آخـــــرين في
الموكــــــــب طـــالبوهم مُلحين بــالكف عـــــن تـــــرديده. ومع كفهم عن ترديد
الهتاف تبددت كل تلك المشاعر الجميلة التي كانت تملأ قلبي، وتبدلت النشوة بـــــالغــــربــــة
واليـــــــأس.
محلياً تعتبر كلمة "لوطي"
من الكلمات النابية التي تستخدم لوصـــــــــم المثـــــــليين الــــــذكـــــور،
وأي رجل لا يتحلى بالصفات المجتمعية النمطية للذكر أو لا يمارس السلوكيات المتوَقعة
منه. رغم حصرية الكلمة على الذكور إلا أن الهتاف شملني أيضاً بهذا النبذ والرفض، فأنا كإمرأة مثلية أنتمي لنفس
الأقلية، ويرمقني المجتمع بذات النظرة الكارهة المعيبة، لكن بمصطلحٍ واصمٍ آخر. وما زاد من سوء وقع هذا الهتاف علي هو علمي بأن الكثير
من مجتمع الميم عين في السودان يشاركون بصورة مستمرة في دعم الحراك الثوري، بل ويتقدمون
الصفوف في مواجهة بطش الأمن والقوات العسكرية التي كانت تواجه المتظاهرين السلميين
بالرصاص الحي، باذلين/ات أرواحهم/ن فداءً لقضية الوطن العادلة، رغم الظلم المؤسسي
والإجتماعي في الدولة والذي يجبرهم/ن على التخفي ويواجههم/ن بالرفض في ذات المكان
وذات الوطن. بالتأكيد هي لم تكن المرة الأولى التي يصدح فيها البعض ساخراً بهذا
الهتاف، ولم تكن المرة الأخيرة.
وعيي بالحمولة
المجتمعية الدينية السالبة للمثلية الجنسية والتنوع الجندري في السودان لم يسعفني في تخفيف
صعوبة ذلك الموقف. فمواجهة الواقع الذي يصادمني بالرفض في لحظة غير متوقَعة
وبالضرورة يجردني من حقي في الرد، أو المواجهة المضادة، تمكن من هزيمتي في ذلك
اليوم. وشعلة التغيير التي كانت تضيئ أحلامي بنور الأمل بدأت تخبو، وتنطفئ بعتمة الوصم
والكراهية. ومع تعرضي للإقصاء الضمني في ذلك الموكب لم أتوقف عن الخروج والتظاهر في الثورة السودانية. فالرغبة العارمة في خلق مساحات
من الحرية تمكننا كأقليات جنسية من وضع لبنات الأساس لإقامة حقوق مجتمع الميم عين
في السودان لا تزال حاضرةً حتى في خضم رحى هذه الحرب العبثية.
"يا خرطوم جوطي جوطي لن يحكمنا الشيخ ______"
هكذا صاغ الصحفي الإسلامي محـــمد طه العنوان الرئيسي للصفحة الأولى من صحيفته (الوفاق) في نهاية تسعينات القرن الماضي، بعد المفاصلة الشهيرة التي قسمت التيار الإسلامي لجناحين، جناح حسن الترابي زعيم الحركة الإسلامية، وجناح عمر البشير حاكم الدولة وقتها. محمد طه كان من أبرز الصحفيين الذين شنوا هجوماً شرساً على الترابي وعادوه بعد الإنقسام، واستخدم صحيفته التي كانت تمولها الحكومة كمنبرٍ راعٍ لهذا الهجوم. تمادى محمد طه في الخصومة إلى أن كتب هذا العنوان الذي أثار ضجةً وجدلاً في المشهد الســـــياسي بين الإسلاميين آنذاك. كانت تلك المرة الأولى التي يُستخدَم فيها هذا الشعار بهدف للتوصيم والكراهية. فمن السخرية أن يُعاد تدوير أحد شعارات الحركة الإسلامية التي استخدمت فيها كراهية المثلية وسيلةً للإقصاء، في الثورة السودانية التي خرجت ضد إقصاء وإجحاف تلك الحركة، واضعةً الحرية والعدالة كهدفين أساسيين لها.
من المهم ألا يؤخذ سردي في سياق طعن أو تشكيكٍ في الثورة، لأنني كنت وما زلت جزءاً منها. فقد تم اعتقالي وزجي للسجن مرة، وضربي مرات أخرى. وقد كنت وما زلت أؤمن بهذا النضال الشعبي الذي أطمح أن يُتوَج بوصول الشعب السوداني إلى الديموقراطية والمدنية كاسراً الدائرة المفرغة من الحكم العسكري اللعين.
لكن بلا شك حالتيّ التناقض والإزدواجية اللتان شهدناهما في الحراك الثوري حول العديد من القضايا الإجتماعية - وهما لا تتعلقان بقضية مجتمع الميم عين فقط، فتعرضت النساء للعديد من الإنتهاكات المبنية على النوع الإجتماعي أثناء مشاركتهن في الحراك الثوري- تثيران التساؤل المشروع حول إتساق المتحركين تحت مظلة الثورة مع شعاراتها. حيث تبدو عبارة "المبادئ لا تتجزأ" مجرد شعار فارغ المعنى، يتبناه الكثير من الثوار والثائرات، بينما مبادئهم/ن في أقصى حالاتها من التشرذم. تلك الحالة من الإنتقائية، بحيث يختار الشارع العام ما يناسبه من حقوق عامةٍ فيطالب بها، أو يرفضها، تجعلنا نطرح السؤال الجوهري في هذا المقال الذي سأحاول أن أحلل وأناقش فيه جوانب مختلفة من الموضوع حتى نتمكن من الحصول على إجابة. والسؤال هو: لماذا ترفض العقلية السودانية الظلم بينما تمارسه؟
رحلة البحث عن إجابة سترمي لتفكيك الترابط الشائك بين رفض الأقليات الجنسية في السودان والنظام الذي كان يستولي على السلطة لأكثر من ثلاثين عاماً، ولماذا استمر هذا الرفض رغم الإنفتاح على العديد من القضايا التي حُظر تناولها طيلة الثلاث عقود الماضية خلال الفترة الإنتقالية التي استلمت السلطة عام 2019م، وانتهت بإنقلاب القوى العسكرية عليها عام 2021م.
تحدث عن كل شـئ إلا الثالوث المحرم
كغيره من الأنظمة الشمولية حكم نظام الحركة الإسلامية السودان بقبضة من حديد، وحرصوا أشد الحرص على الترويج للثالوث المحرم (الدين، السياسة، والجنس). فأحاط نظام الإنقاذ هذه المفاهيم الثلاثة بالخطوط الحمراء وبالتجريم والتحريم ليضيقوا الخناق على الشعب سالبين منه حرياته، فصارت تلك المفاهيم تابوات محظورة لا يسهُل الإقتراب منها. فبالرغم من أن هذه المفاهيم تمس المجتمعات السودانية وتؤثر على حياتها بصورة يومية، إلا أن الحديث عنها يشوبه الخوف من خطر المساءلة القانونية والمجتمعية التي فرضها النظام وأصّل لها بصورة جمعية في عقلية الشعب.
من الملاحظ أن تابو السياسة في السودان لا يواجه نفس الغلظة التحريمية والنظرة المجتمعية الساخطة التي تصاحب تابو الدين وتابو الجنس، رغم ما يلازمه من تخويف وترهيب بالتعذيب والقتل في غرف المعتقلات وبيوت الأشباح الذي مارسته أجهزة الأمن التابعة للنظام السابق. ربما يعود هذا الأمر لذخر التجربة الشعبية في السودان بالعديد من الثورات التي ناهضت الإستعمار، ومن ثم ناهضت الأنظمة العسكرية والمدنية التي تتابعت في حكم البلاد منذ الإستقلال. ولا تلازم تابو السياسة الوصمة الأخلاقية التي تلازم تابوهي الدين والجنس. فرغم القسوة التي كانت تواجه السياسيين من المعارضة في ظل ذاك النظام القمعي، إلا أن شبح الخروج عن الصورة النمطية المجتمعية المتعلقة بالدين والجنس هو الأكثر رعباً بين السودانيين لإرتباطه ارتباطاً وثيقاً بالأخلاق والمثل العليا.
أن تخرج في مواكب ضد النظام أو أن تنضم لحزب سياسي يساري معارض، أو أن تشتم الحاكم، أهون في النظرة الشعبوية من عدم الإلتزام علانيةً بالتعاليم الدينية من صلاة وصيام، أو تعبيرك الصريح عن أراء دينية مخالفة لرأي الجمهور. وكل ذلك أهون بكثير لدى المجتمع السوداني من الحديث عن الجنس "وإن كان حديثٌ توعوي"، كذلك ممارسة الجنس خارج الزواج. وبالتأكيد المثلية الجنسية أو التعبير عن الهوية الجندرية الغير نمطية أو اللاثنائية أو العبور الجنسي، يعتبرون أقصى درجات إنتهاك المحرم والممنوع، وأسوأ درجات الإنحلال الأخلاقي، التي تؤدي في النهاية بصورة شبه حتمية إلى النبذ والرفض والعديد من الإنتهاكات من المجتمع، والمساءلة القانونية من الدولة.
نستخلص من هذه المقاربة أنه رغم التشديد على خطورة مس التابوات الثلاثة، إلا أن فداحة الإقتراب من التابو الجنسي تفوق بكثير الإقتراب من التابو السياسي والتابو الديني. لكن في الأصل، العديد من مفاهيمها متقاطعة، وتؤثر على بعضها البعض. فالمفاهيم الدينية تؤثر على السياسة والجنس بفرض التشريعات المُقيّدة في قوانين الدولة. كما تؤثر الأنظمة السياسية على الدين والجنس بدرجة الحريات المسموحة لممارستهما والحديث عنهما. لكن هل يؤثر تابو الجنس على السياسة والدين؟ أم هو مجرد أداة في يد السلطة السياسية والدينية؟
التابو الجنسي والمثلية الجنسية في الدولة السودانية
أجادت الحركة الإسلامية إستغلال التابو الجنسي لصالح تمكين وتقوية وجودها في السلطة في السودان لأطول فترة ممكنة. ففي خلال رفضها لمطالب الحرية والشعارات التي تنادي بفصل سطوة الدين عن شؤون الدولة، كانت أبواقها تنشر في الوسائل الإعلامية سردياتٍ مضلِلة، تقول فيها أن تلك الأصوات والحِراكات السياسية المناهِضة لسلطتهم لا تهدف للعدالة كما تدعي، بل تطمح للإنحلال الأخلاقي في السودان وذلك لأن أفكارها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحرمات الجنسية كتقنين الزنا، والدعارة، وتعرية النساء. وبين الحين والآخر كانت أبواق النظام تستغل حساسية المجتمع السوداني المفرطة تجاه المثلية الجنسية. فكانوا يصلون لقمة عدائيتهم لتلك الأفكار الغربية (الشيطانية) كما يصفونها، عندما يوصمون معارضيهم بها (المثلية). ويضربون الأمثلة بالأنظمة المتحررة التي تتقبل الأقليات الجنسية وتُشرع حقوقها، لإظهار سوءآت تلك الأنظمة التي تمنح شعوبها الحرية "المفرطة". وفي ذات الوقت يكون ذلك خير مثالٍ لسمو أخلاقهم وقوة تدينهم، الأمر الذي يمنحهم الجدارة ويجعلهم تلقائياً الأصلح والأجدر لحكم ذلك الشعب الذي لم يمتنعوا عن مواجهته بالقوة المفرطة لاحقاً.
عنوان صحيفة الوفاق الذي كان أقصى ما يمكن أن يشيطنوا به رفيقهم الذي حاك لهم خارطة إنقلابهم عام 1989، لم يكن المرة الأخيرة التي استخدمت فيها تلك الصحيفة موضوع المثلية الجنسية لوصم المعارضين. فخُطَّ في أحد أعداد أغسطس 2009م عنواناً عريضاً في الصفحة الأولى "مظاهرات للشواذ والعاهرات في الخرطوم". بالطبع كان العنوان بعيداً عن الواقع، لأنه حمل استنكاراً وشيطنةً لبعض التجمعات التي دعى لها ونظمها ناشطون حقوقيون رفضاً لقانون النظام العام الذي إستغلته الحكومة لملاحقة الخصوم السياسيين. تلك التجمعات كانت ردة فعلٍ لقضية الصحفية لبنى الحسين، التي اعتُقِلت وحوكِمت بسبب إرتدائها (للبنطلون). فاستخدمت الدولة ذراعها الإعلامي لوصمهم/ن بالمثلية، وقامت بضربهم/ن وتفريقهم/ن بالغاز المسيل للدموع، ومن ثم إعتقلت العديد منهم/ن وفتحت بلاغات من نفس القانون في مواجهتهم/ن.
إذاً الوصف بالشذوذ والتعهير وكل المحظورات المتعلقة بالجنس، كانت من الوسائل المهمة التي استعانت بها الدولة لتجذير الخوف في نفوس المعارضين، وتأصيل النفور من المعارضة في نفوس عامة الشعب. إستخدام هذه الأساليب بنمطية متكررة من قبل الدولة، جعلها وسيلة مشروعة لمواجهة الإختلاف، فصار المجتمع السوداني لا يتردد في استخدام نفس الوسيلة عند إختلافهم/ن مع بعضهم/ن دون وعي بالخلل المنطقي الكبير فيها. وهذا بالضبط ما شهدناه في مواكِب الثورة، وما نشهده حتى اليوم بعد إندلاع الحرب. فهاهم/ن ينعتون حميدتي قائد الجنجويد الدموي الذي تسبب في زعزعة الأمن القومي في السودان والذي نفذ جرائم حرب لا حصر لها، "باللوطي".
لماذا يرفض السودانيون الظلم بينما يتقبلون ويشاركون في ظلم الأقليــــــــــات؟
بجانب الدين والطبقة والعرق والقبيلة، نجد في الثقافة السودانية ارتباط وثيق بين المفاهيم الجنسية والقيم الأخلاقية. فكلما بَعُد الإنسان عما يرتبط بالجنس من حديثٍ ومظهرٍ وأسلوبِ حياة، كلما امتلك قيمةً أخلاقيةً عليا في النظرة المجتمعية، والعكس صحيح. فنجد شرف الرجل لا يرتبط بتدينه وصفاته الحميدة، إنما الإرتباط الأساسي هو ذلك الجانب المتعلق بحياته الجنسية، والحياة الجنسية للنساء من حوله (زوجته، بنته، أخته، أمه). وفي المجتمعات الأكثر إنغلاقاً يمتد الأمر ليشمل بنات عمومته. وفي تناقض صارخ، إن مارس هذا الرجل نشاطاً جنسياً، تكون علامةَ رجولة وفحولة بين أقرانه. لكن إذا تعلق الأمر بالنشاط الجنسي للنساء من حوله يكون الأمر مصدراً للعار والخزي.
من جهة أخرى، لا يتعلق شرف الفتاة كثيراً بتدينها وصفاتها الشخصية، وإنما يقتصر على جسدها. حصرياً بعذريتها التي بالطبع يجب أن "تفض" بمباركة الأسرة، بالتحديد مباركة الرجال فيها. فالمرأة في السودان لا تستطيع تزويج نفسها قانونياً ولابد من وجود ولي حتى يمنح الزواج شرعيته.
بعد أن فهمنا كيف ترتبط المفاهيم المتعلقة بالشرف والأخلاق إرتباطاً وثيقاً بالإبتعاد عن تابو الجنس، من الممكن أن نستنتج أن هذا الإرتباط بالضرورة يؤثر سالباً على نظرة الشعب السوداني للمثلية الجنسية، وعلى كل ما يخرج عن النمطية الثنائية، وكيف استغلت السلطة السابقة هذه النظرة السلبية لتمكين وجودها كوسيلةٍ سهلة لإقصاء المعارضين. لكن هذه الهيمنة الذكورية تجعل الرفض المطلق للمثلية الجنسية ظاهرياً وليس جوهرياً. فحدة هذا الرفض ليست معيارية ثابتة في السودان، وإنما نسبية جداً.
تتناسب حدة الرفض طردياً وعكسياً متأثرةً بعوامل عديدة أهمها النوع الإجتماعي. فالنوع الإجتماعي يجعل المجتمع السوداني يتعامل مع المثلية الجنسية بين الإناث بحدةٍ أقل من المثلية بين الذكور. فلطالما الجنس بين النساء لا يتضمن إيلاجاً، بالتالي لن يؤثر على العذرية التي مصيرها أن تُنتزع تحت مظلة الزواج بمباركة أهلها والمجتمع حولها. ولابد أن أنوه أن ذلك لا يعني عدم تعرض النساء المثليات أو الخارجات عن الصور النمطية للثنائية للهجوم والتنكيل بالوصم الذي يستهدف طبيعتهن كنساء. فيطلق عليهن المجتمع لفظ (ضكرية)، وهي الكلمة المحلية الموازية لكلمة (لوطي)، وتطلق حصرياً لوصم النساء، حيث تعني تجردهن من صفات الأنوثة وتحليهن بصفات الذكورة كونها مثلية أو كونها خرجت عن التصنيفات المجتمعية النمطية للأنثى.
وفي المقابل تواجه المجتمعات السودانية المثلية بين الذكور بصورة أعنف، لأن شرف الرجل أن يظلَ رجلاً يمارس الجنس مع إمرأة، أو ألا يفقد "شرفه" ويتدنى لمرتبة المرأة بأن يتم الإيلاج به. وبناءً على هذا المفهوم الذكوري تتفاوت حدة الرفض والحساسية تجاه المثلية بين الذكور، فالرجل الذي يقوم بالإيلاج لا يتم وصمه بكلمة (لوطي) وإنما تطلق عليه المجتمعات في السودان ألفاظاً أخرى يظهر فيها نوع من التقبل والتطبيع. لكن ردة الفعل تكون معاكسة تماماً عندما يتعلق الأمر بالمثلي الذي يتلقى. فهنا في اعتبارهم/ن قد وصل لأدنى درجات اللارجولة بأن صار كالمرأة في الفراش.
باستخدام نفس القياس الذي يوضح إزدواجية معايير المجتمع السوداني المعادي للمثلية نستنتج تلقائياً أن الرفض الذي يواجه مجتمع العابرين/ات جنسياً وجندرياً أقسى وربما يرتبط بعنف أكثر، بالأخص العابرات جنسياً. وكل ذلك لا ينفي بالتأكيد أن مجتمع الميم عين بأكمله يتعرض للكثير الوصم والرفض المجتمعي الذي يمكن أن يكلفهم/ن حياتهم/ن إذا ما قرروا الخروج من عتمة الخوف التي ينشدون منا الأمان.
للأسف عدم الإتساق هذا يمتد ليشمل جميع الفئات السياسية والإجتماعية والمدنية. فنجد الحزب الذي ينادي بضرورة الحكم المدني الديموقراطي والتمثيل العادل للأقليات، لا يعترف بالأقليات الجنسية ولا يقبل بها أساساً.
ختاماً، حالة الرقابة الفاشية على مفاهيم السياسة والدين والجنس التي فرضها النظام الإسلامي في السودان ليس فقط بعد إنقلاب 1989، وإنما منذ إئتلافهم مع نميري، آواخر فترة حكمه وفرضهم التشريعات الدينية عام 1983 (قوانين سبتمبر)، واستخدامهم لها كوسيلة لتوصيم المعارضين/ات، وضعت المجتمع السوداني كُرهاً داخل صندوق مغلق، كل من يخرج منه يوَاجَه بالسجن في المعتقلات وبيوت الأشباح، أو يقتل، أو يُلاحَق بالقوانين التعسفية. وبالطبع سيتكفل المجتمع الذي تمت برمجته على كراهية كل ما يتعلق بتعدي الخطوط الحمراء لتلك المفاهيم الثلاثة، بالقيام بمهمة التوصيم والرفض والنبذ، والتي هي كافية جداً لجعل كل ممن يرغب في الخروج من ذاك الصندوق أن يبقى داخله في صمت.
كسر الحواجز عن الثالوث المحرم يحتاج العديد من الحِراكات والثورات المطلبية، فالحراك السياسي الذي أدى للعديد من الثورات الشعبية ساهم بالتأكيد في صنع حالة من التقبل المجتمعي للتابو السياسي وساهم في إلغاء العديد من القوانين التي صنعتها الدولة لمقاومة المعارضة (إلغاء قانون النظام العام مثلاً). بالتالي كل الحراكات التي ستجعل شعارها حل الظلم الواقع على الأقليات الجنسية والدينية، والفئات المضطهدة من المجتمع ستصنع حالة مجتمعية مشابهة، تؤدي لتغيير التشريعات والقوانين لصالح تلك الأقليات، التي بالضرورة ستساهم في محو تلك التابوات كلياً حتى لا تصبح أداةً في يد الحُكام، الذين عندما يُصابون بالعجز الإقتصادي والسياسي، أو الفشل الحربي، يوجهون الإعلام والأقلام ضد مجتمع الميم عين و"خطرهم/ن على المجتمع"، وهم/ن أصلاً لا وجود لهم/ن في الواقع السياسي والمجتمعي.
Comments
Post a Comment