إيمي عبدو؛ رحلة الماضي التي غيرت الحاضر والمستقبل
إيمي عبدو؛ رحلة الماضي التي غيرت الحاضر والمستقبل
في شهر نوفمبر المعني بالتوعية بالعبور الجنسي، وإيماناً منا بأهمية ايصال أصوات مجتمع الميم عين السوداني للمجتمع السوداني نفسه، قمنا بالتواصل مع إيمي عبدو. فمن هي؟
إيمي عابرة سودانية خرجت من الخزانة مبكراً في حياتها، مقررةً أن تمضي قدماً وتحيا الحياة التي تريد لنفسها. عرضها ذلك القرار للعديد من المواقف الصعبة التي مست كرامتها وانتهكت حقوقها، وهددت أمنها. ومع ذلك تحدت المجتمع، بأعرافه وتقاليده، وتحدت الدين وموروثاته، بقوة وصلابة ولم تتردد في سعيها للعبور الكامل الذي شمل العلاج الهرموني والعمليات الجراحية. ولم تتنازل إيمي عن حقوقها، فخاضت معركةً قانونية في مواجهة الدولة التي لا تعترف بتلك الحقوق، وتجرم وجودها.
نظراً لوجودي في السودان، وحياة إيمي في الخارج، كان حوارنا هاتفياً للمرة الأولى، فلم أكن أعرفها شخصياً وإنما عرفتها من خلال شريكتي. رغم ذلك لم يكن الحوار معها بارداً و جامداً بل كان عفوياً شيقاً، مثيراً للإهتمام. استمر حديثنا لثلاث ساعات كاملة. لم أشعر فيها بطول الوقت، لكن شعرتُ وأنا أتحدث معها بالصدق البالغ، وبالتفرد الجميل. فقد كانت صادقةٌ في سرد قصتها، وتجاربها، واللحظات الجميلة التي عاشتها والتي لم تعِشها، وكذلك لحظات التعاسة والحزن والإنهيار، ومد المقاومة والإنحسار. لم تتصنع أبداً، وكان ذلك جلياً في نبرتها الهادئة الواثقة التي تصعد وتهبط بتفاعل متناغمٍ مع ما كانت تقوله، والذي قالته بعفوية. وكان جمال تفردها يكمن في الحرب العظيمة التي خاضت غِمارها وحدها، والشجاعة الفائقة التي تحملت مسؤولية وأبعاد تبعاتها، ويد العون التي مدتها للكثيرات/ين من مجتمع العبور في السودان.
رغم أن تجربة إيمي عبدو لم تجد الإهتمام الكافي من النشطاء والمهتمين/ات بقضايا الميم عين في السودان، لكنها بلا شك من الرائدات اللاتي/الذين عبدوا/ن الطريق للكثير من أفراد مجتمع العبور الجنسي في السودان. لهذا كنا حريصين أن ندون ونوثق تجربتها، تقديراً وإحتراماً، وعطشاً كويرياً لم يَرتوِ بعد.
الحوار سيشتمل على النقاط الأساسية المتعلقة برحلتها مع العبور الجنسي، وعن حياتها في السودان، وعن بعض التجارب المهمة التي تعرضت لها، رغم أنني كنت أتمنى كتابة تفاصيل الثلاث ساعات، لإيماني التام باستحقاقية كل كلماتها في أن تُنشر، وتُقرأ. أيضاً سنبقي على اللهجة العامية السودانية للمحافظة على أصالة وروح الحديث.
منو هي إيمي؟
السؤال دة بالنسبة لي فلسفي وصعب جداً الرد عليه، لذا حأكتفي بالتعريف التالي "أربعينية من مواليد برج الثور، عابرة جنسياً ومقيمة حالياً في ألمانيا، طولي 158 سم، على عكس غالباً الإنطباعات المأخوذة عني، وأنا السودانية الوحيدة البتحمل مسمى إيمي (بعد العبور) على وثائقها".
كسودانيين في أسئلة تلقائية بتجي في الونسة بالذات كل ما نتعرف على زول جديد، زي من وين إنتِ يا إيمي؟
خرطومية، وأصولي من أقصى شمال السودان، وتحديداً مدينة عبري (مركز أرض السكود).
نشأتِ هناك ولا وين كانت نشأتِك؟
نشأتي كانت ما بين الخرطوم، مدينة رين بفرنسا، والقاهرة.
وين تلقيتي تعليمك؟ ودرجتك العلمية؟
قريت أغلب مراحلي الدراسية في الخرطوم والقاهرة. وبسبب التخبط والتوهان وعدم الإستقرار الكنت عايشاه في الفترة ديك ما قدرت أضع خطط مستقبلية، فلقيت نفسي درست عدة تخصصات أولها كانت شريعة وقانون، بس حصلت على درجة البكلاريوس في إدارة الأعمال من كلية علوم التقانة، والفنون الجميلة من جامعة حلوان، ومحاسبة من جامعة السودان المفتوحة.
متين كانت أول مرة حسيتي فيها إنك في الجسد غير المناسب؟
يقيني بأنوثتي اتشكل عندي في فترة مبكرة للغاية، ووقتها ما كنت شايفة ان جسدي فيه مشكلة أو انه عندي غير مناسب وكنت بتخيل إني حأنمو زي أي فتاة عادية وأي زوائد غير مرغوب فيها حتتساقط زي أرواق الخريف. كنت قايلة روحي زي البجعة السوداء اللي نشأت وسط أفراخ البط ذهبية اللون، وأني لما أكبر حأبقى سمحة وجميلة وربنا حيعوضني عن كل التنمر اللقيته من ناس ما عارفين الحقيقة.
منو كان أول شخص لجأت ليه للمساعدة أو صارحته بالكنتي بتمري بيه؟ وهل كانت التجربة إيجابية؟
ود عمتي، وندمت أشد الندم.
هل عائلتك كان ليها علم ولا عرفوا فيما بعد؟ وكيف كانت ردة فعلهم؟
للأسف كانوا عارفين قبل ما أنا نفسي أعرف. ودة بسبب أن الأطفال في فرنسا قبل ما يخشوا الحضانة بيتم فحصهم طبياً ونفسياً وبيتم إجراء إختبارات الذكاء عليهم، ووقتها تم إستدعاء والدي ووالدتي لنقاش إحتمالية كوني عابرة جنسياً والخيارات المتاحة قدامهم.
العائلة الصغيرة بالضرورة بتلعب دور في حياة أي إنسان/ة، كيف كان الجو الأسري الكنتِ عايشة فيه، خصوصاً بعد أهلك عرفوا أو"دخل أضانهم" الموضوع بدري زي ما بنقول، فأحكي لينا عن أسرتك وكيف كانت الحياة من منظورك!
الوالد كان دارس قانون، وتم ابتعاثه لفرنسا من قبل الحكومة السودانية لإكمال دراساته العليا في إدارة الأعمال، وكان متاح للمبتعثين خلال الفترة ديك إنهم يصطحبوا معاهم أسرهم. كنت وقتها صغيرة لكن الفترة القضيناها هناك ساهمت في تشكيل قناعاتي بالحقوق والحريات الفردية فيما بعد. وبعد رجوعنا للخرطوم حصلت لي صدمة من التفاوت المهول بين المجتمعات وافتقدت الأمان فانعزلت من صغري وتقوقعت على ذاتي، فالبيت نفسه كان مخيف للغاية، وعلشان أعكس الصورة بشكل أفضل أسمحي لي أقتبس من دفتر مذكراتي القديم الفقرة دي، والبتوضح كيف كانت علاقتي مع الوالد خلال الفترة ديك.
"كنت في الخامسة من عمري حينما طلبت من أمي دمية كالتي تتباهى إحدى بنات عماتي، وكأنها لم تعرني سمعها جيداً، رغم أنها أومأت إلي بما يفهم منه الموافقة، وعند عودتها مساءً مدت إلي حقيبة بلاستيكية سرعان ما كنت بلهفةٍ أقلب ما بداخلها، مبعثراً محتوياتها أرضاً.
قطار
رجل آلي
خناجر ومسدسات
أين دميتي يا أماه!
جاء صوتها حازماً "هذه هي ألعاب الصبيان"
رددت بعفوية "ومالي أنا وألعاب الصبيان؟"
فكانت أول وآخر جملة نطقها لساني بحرية، قبل أن تنشق الأرض عن أبي، لم يرأف بسني الغض ولا ببراءة لم تدجن بعد فتفقه البين الشاسع ما بين الضكر والإنتاية، ولا تدرك بحدسها الهوة السحيق غورها ما بين المفردتين.
- يا باطل الليلة بت لعاب وبكرة تكوس راجل يركبك.
تلك جملته وتلك مفرادته التي اخترقت سمعي كالرصاص، ومن ساعتها عقد عقلي بينها وبين ما وقر في يقيني وأمنت به جنساً وحملت منذ ليلتها إحساساً بالذنب والضِّعَة، علمني كيفية وأد الذات في طقوس جنائزية أقيمها في اليوم ألف مرة لأعاود النبش عنها عميقاً كل مساء.
صرت شغله الشاغل، وتحملت لسنين تجاربه في تقويم ما يراه من إعوجاجي، وضع نصب عيناي قوائم من المحظورات، يعمل فيها بين الفينة والأخرى إحلالاً وإبدالاً، وأمام إلتزامي من عدمه كان أشبه ما يكون في بلادي بشرطي المرور، إن أوقفك ولم تكن مخالفاً فلن يعدم أن يخلق لك من العدم ألف مخالفة ومخالفة. تشبيهي مع الفارق يبدو رحيماً للغاية، فإن شرطينا الهمام قد يخلي سبيلك مقابل بضع جنيهات بينما أبوي الشيخ لا يقبل بأقل من إهدار كرامتي وآدميتي في كل إيقاف.
ما إن يراني حتى حتى يتجمد الدم في عروقي وأحاول الإندساس تحت طيات جلدي عبثاً ريثما أراجع في عجلة قائمة ممنوعاته وموقفي منها، حتى أدركت أن وجودي بحد ذاته كان أكبر أخطائي التي اقترفتها على الدوام فبسببه كان لسانه يفيض علي سواحلي دوماً بالقمئ من السباب والجارح من الألفاظ، بينما أقف بين يداه كالكلب مرتعداً أتلقى حصتي الكاملة من حنقه وبزيادة مقدرة تحددها طاقة ذراعاه. بالكاد أستطيع تمالك نفسي ومنعها من البكاء خشية أن تستفزه أكثر لكونها من ممنوعات عوالم الرجال.
لم أحبه يوماً كما لم أتمنى موته، وكنت حينما أخلو إلى نفسي أنسج من أحلام اليقظة مشنقة، يتدلى منها عنقه بلا موت ولا حياة، أو أجسده أمامي وقد بلغ من العمر عتياً، وفارق الخلان والأقرباء والأصحاب ولم يتبق له سواي. فقط لأقول له "كل امرئ يوماً حصاد غرسه، فانظر ماذا غرست يداك".
بجانب الصعوبات الإتعرضتِ ليها بدري داخل نطاق البيت، هل واجهتِ صعوبات في المدرسة أو المجتمع، بسبب ان المجتمع كان شايفك مختلفة؟
أكيد طبعاً ! فمجتمعاتنا القايمة على نظام الجماعة وما عندها أدنى إكتراث للفردانية والتنوع والإختلاف بتسعى بكل الطرق والأساليب لإخضاع أي مختلف بيغرد خارج السرب، وتجبره على الإلتزام برؤية الجماعة وعاداتها وتقاليدها. وأنا كعابرة جنسياً ما كان عندي أوبشن غير المقاومة، وأكون أو لا أكون.
تم نبذي، رفضي، لفظي من أي مساحة، إتعرضت للإعتداءات اللفظية والجسدية، وواجهت التحرش الجنسي في كل مكان، ومن نفس ذات الناس مدعين الفضيلة والتدين. اتقيدت بجنازير في مسيد شيخ صوفي، واتلفظت واتنبذت، وانسحبت مني كل الحقوق وما اتمتعت بأي مظلة حماية سواء كانت أسرية، مجتمعية، قانونية.
كل ما كنت بكبر كل ما كنت بفهم مجتمعي بشكل أفضل، لحد ما بقيت قادرة على مواجهة كل الأذى البتعرض ليه من خلال تكنيك هز الأرضيات الثابتة وكسر الإنطباعات النمطية.
الرفض المجتمعي ووصم العبور الجنسي كواحد من التابوات في المجتمع صنع حالة من الفراغ اللغوي والاصطلاحي المتعلق بالموضوع في السودان والعالم العربي، فرأيك شنو في المصطلحات البتستخدم في نقاش العبور الجنسي، زي التحول الجنسي مثلاً، أو المصطلح الحديث الإستبدل إضطراب الهوية الجندرية، اللي هو؛ إرتباك الهوية الجندرية؟
أنا ما بركز في الكلمات كتير، وما عندي مشكلة في أي مصطلح لطالما ما بيأثر علي بصورة سلبية، بالنسبة لمصطلح الإرتباك فأنا ما شايفة إنه كان عندي إرتباك ولا حاجة، لأني كنت متأكدة إني بنت، ما كان عندي شك في الحاجة دي. الكلمة الوحيدة الماقدرت أتصالح معاها للآن هي كلمة لوطي، بسبب الذكريات السيئة العشتها مع الكلمة دي.
قناعتك البديهية بحقيقتك، والإترجمت فيما بعد بخضوعك للهرمونات والجراحة أكيد ما كانت هينة، كيف كانت التجربة؟
للأسف في السودان صعب ان العابر/ة يقدروا حتى يحققوا شرط المعايشة حسب البروتوكول الطبي القديم ناهيك عن العبور الجنسي.
أما بالنسبة لي فبعتبر روحي محظوظة إني قدرت أجري واحدة من عملياتي في السودان على يد صديق جراح، بعدها أجريت خمسة جراحات جزء منها تم في القاهرة، وآخرهم كان هنا في ألمانيا قبل أربع سنوات، وكانت تجميل للتشوهات العملوها الدكاترة العرب (الغير مؤهلين لإجراء العملية دي).
قبل خضوعك للإجراءات الجراحية الساعدتك في استكمال عبورك، شنو كانت الحاجات الكنتي بتعمليها قبل كدة؟
كنت في السابعة من عمري لما قررت أفتش للعلاج الهرموني واللجوء للجراحة، ودة كان متزامن مع الضجة الأثارتها العابرة المصرية سالي محمد عبدالله وقتها.
طبعاً الإستراديول الهو البديل الصناعي للاستروجين ما كان متوفر في السودان، الشئ البيخلينا نضطر نلجأ لحبوب منع الحمل وتناولها بجرعات مضاعفة، لكن بالنسبة لي لجأت للأعشاب والوصفات الشعبية في عمر 14 سنة، أما أول جراحة خضعت ليها جات متأخرة بسبب التعنت المجتمعي، الطبي، والقانوني.
في الفترة الكنتي بتعبري فيها جسدياً ما كان في وعي كويري كبير عن الجنس والجنسانية بصورة عامة وموضوع العبور بصورة خاصة، مقارنةً بالوقت الحالي، وإنتي بتعتبري أول عابرة سودانية طلعت من الخزانة ودة عرضك للكتير من المشاكل والتحديات، فشنو الصعوبات والمشاكل بعد خضوعك للعمليات وعبورك؟
عام 2008 قررت مواجهة المجتمع كله، والتقدم بعريضة في محكمة الأسرة، واتوقعت ان الهجوم علي حيكون كما الطوفان الجارف، لكن الغريب ان محيطي تقبل الموضوع بشكل جيد على عكس المتوقع، حتى اتعملت لي سماية شارك فيها الجميع.
دة انفتاح كبير، شنو الخلى الناس الحولك بمن فيهم أهلك أفكارهم تتغير للأحسن؟
رغم مواجهاتي الكتيرة في فترة المقاومة إلا اني كنت حريصة إني ما أخسر أهلي. أعتقد دة بسبب اني كنت بتكلم بصوت عالي عن الأنا بمر بيه والأنا حاسة بيه، الحاجة دي ساهمت في رسم شخصيتي في الفترة ديك، وأعتقد الدعم القانوني الحصلت عليه كان عنده دور في تقبل الناس.
هل في عابرين/ات قبلك في السودان؟
كانوا في بالتأكيد، لكن كانوا بيواجهوا مشاكل كتيرة وصعبة شديد، عشتها مع كتير منهم. لكن أنا أول عابرة سودانية تطلع من الخزانة داخل السودان، وتحصل على حكم محكمة بتغيير جنسها واسمها.
هل ممكن توضحي لينا تفاصيل من القضية الرفعتيها ضد حكومة السودان والإنتهت بحصولك على حقك في تغيير إسمك وجنسك؟
القضية أنا اتجاوزت الحديث عنها بسبب إتفاق السرية، ما بقدر أخوض في تفاصيلها، إلا بصورة عامة في ونسة.
لا بأس. من التجارب التانية الخضتيها والذكرتيها قبيل في كلامنا، والبنتمنى نعرف شئ من تفاصيلها لو كنتي ما بتمانعي هي موضوع العلاج الديني الأجبروك تخضعي ليه، نحنا اتكلمنا كتير عن موضوع الإجراءات التحويلية الطبية والنفسية اللي بيجبروا الأهل أولادهم يخضعوا ليها في السودان، كيف كانت التجربة الدينية دي؟
بعد أول محاولة إنتحار، إتقال اني ملبوسة، بواسطة "جنية حبشية"، ولقيت نفسي في مسيد شيخ كبير في الخرطوم، مقيدة بجنازير وسط أفراد مضطربين نفسياً وعقلياً على بروش زعف قديمة مهترئة، الغريب ان معانا كان في حالة من أصحاب متلازمة الرحمن (داون)، وما فهمت كيف وليه أهله جابوه هنا.
بيجينا مرات واحد دجال قذر ماسك سوط عنج، متحرش جنسياً بالإناث، وبيدوفيلي كمان، بيقرأ علينا قرآن ملخبط بمفردات غريبة، عرفت بعد ما كبرت انها مقتطفات من أبيات "الجلجلوتية". ومرات كان بيجي علينا الشيخ الكبير يتمتم بكلام ما مسموع ويرفع لينا الفاتحة، أو يرشنا بمحاية.
كنت فاقدة الرغبة في الكلام والحياة عموماً، وكل شئ بالنسبة لي سيان، والأيام بتمر علي متشابهة، وما بفرق سبت من تلات، لحد ما ناس البيت جوني وساقوني.
فيما بعد بقيت أكتر مرونة، وبقيت بدل ما أتناقش واهتم بايصال البديهيات من حقوق وحريات، بقوم طوالي ألجأ لعوالم خرافاتهم وأقول: " أي ما مني، دة من العلي، عندي ريح أحمر، واشتاتا اشتوت..."
اهلي باستثناء الوالد بقوا ياخدوني كل فترة وفترة لشيخ مختلف، وبقيت بجيد أمثل دور الملبوسة واتنطط واتمردغ واكورك قدرتي وامرق كل طاقتي السلبية والسكلبة المحبوسة جواي.. كونك تتوصم بالجنون شئ أريح بكتير من إنك تتوصم "باللواطة" في بلادي. كونك مجنون فدة سبب يخلي الأهل يحنوا عليك وكأنهم يطبطبوا على روحهم الماقادرة تصدق ان ابنهم بكل وعيه هو مجرد بت ولسان حالهم بيقول :" أكيد مجنون .. صح؟! مجنون أكيد.. بل وراكباه شيطانة داعرة صعلوقة ومعاها بشير سيد المخنثين".
على صعيد الشيوخ المسلمين العاقلين "شوية" كان الأسلوب مختلف. بس دة موضوع طويل ما بقدر أختصره. علشان في حالتي الدين كان شئ جوهري والإجابة على أسئلتي الوجودية، البدت تتشكل من طفولتي الباكرة كانوا سبب في إني أركز مع الأديان وفلسفاتها لذا حتلقي عندي قصة مع كل طائفة، لو أصحاب مذهب وطريقة، حتلقي عندي قصص مع قساوسة، واحبار، وكهنة وبوذيين، ودة موضوع كبير كبر رحلتي.
شنو الصعوبات البتواجهك حالياً كامرأة سودانية عابرة؟
في الفترة الأولى عانيت من محاولات البعض العبثية في الزامي بكل القيود المفروضة على عوالم نون النسوة، وبعدها عانيت من النظام الحاكم وجهاز الأمن بعد ما بديت أكتب مذكراتي. أما حالياً فماف صعوبة متعلقة بعبوري فيما عدا اضطراري في كل مرة أقعد فيها مع انسان يطرح لي بغرض الإرتباط واضطر اصرح وأحكي كل المريت بيه واتذكر كل السوء المريت بيه من خلال رحلتي القاسية.
كمان بعاني من التوقعات النمطية البتتفرض علي بصفتي امرأة، زي مثلاً موقف حصل لي، استضفت رجل سوداني في بيتي للعشاء، جاء يتعرف علي. ونحنا قاعدين أشعلت سيجارة، فجأة اتضايق وقال لو حنكمل في ارتباطنا لازم أخلي التدخين، الزعلني انه سببه كان لأن شراب السيجارة ما حلو في حقي، ما عشان التدخين مضر بالصحة مثلاً، فالناس بتنسى إني عابرة وكسرت الصورة النمطية من زمان وبيرجعوا يختوني في صورة نمطية تاني.
في بداية الحوار كنتي مترددة من إنك تحكي جانب حياتك الخاصة ونشأتك، ليه؟
لأن حسب تجارب كتيرة مريت بيها، ناس كتار كانوا بيشوفوا انه حياتي لفترة في فرنسا، وتقبل أهلي لعبوري في النهاية بيخلي رحلتي ساهلة واني ما عانيت بما فيه الكفاية عشان اكون جزء من المجتمع البيعاني، ومرات بيصنعوا مقارنات برحلتهم وتجاربهم مع رحلتي وتجاربي. رغم انو الحاجة دي ما صاح. أي زول عنده رحلته وتجربته، ومعاركه الخاصة الخاضها وبيخوضها.
التجارب لا يمكن تكون واحدة، ولما الناس تسرد تجاربها، بتسردها عشان ترسل رسالة للناس البيعانوا نفس المعاناة وقايلين/ات نفسهم/ن براهم/ن، انو انتو ما براكم/ن، وفي ناس خاضت وبتخوض التجارب دي. أنا كزولة من الميم.عين السوداني بشوف انو التجربة ما كانت ساهلة أبداً. وإنتي رغم كل المعاناة المريتي بيها كنتي شجاعة جداً، واتحديتي الأهل والمجتمع والدولة كمان.
أنا ما بعتبرها شَجاعة، ولا شايفة نفسي شُجاعة.
بتعتبريها شنو؟
بعتبرها (قَنَع). ودي مرحلة الزول بيوصلها لما يبقى ما فارق معاه شئ. بيقنع من أي شئ. تجربتي وصلتني للمرحلة دي، وما كان عندي كتير أخسره.
في نهاية حوارنا، شنو نصيحتك للجيل الجاي من العابرين/ات والمجتمع الكويري عموماً؟
ما تستهلكوا طاقاتكم في معارك جانبية لا طائل منها. آمنوا بذواتكم وحبوها واحضنوها.
Comments
Post a Comment