مازن قوازية

مازن القوز، "المعياريات الإجتماعية سكة عطش"

حاورته: نونو


لطالما كان وجودنا الإجتماعي مقولبًا وفقًا لضوابط إجتماعية محددة، فُرِضت على الأدوار المجتمعية والمظهر وحتى على الفنون. فالغناء السوداني الحديث تفرعت منه موسيقى ومفردات بسيطة ومعبرة تحكي الواقع بزاوية أكثر توغلاً في الشعبنة، ومن زاوية أخرى خلقت مجتمعات توفر التضامن اللامحدود كنتاج للإقصاء والرفض. دائمًا ما قدمت تلك القوالب صورًا نمطية تعكس العلاقة بين مجتمع الميم عين ومجتمع (القونات). علاقة تحمل في طياتها الكثير من الطباع المركبة والشائكة التي قد لا تبدو واضحة للعيان. حوارنا مع إحدى الشخصيات المؤثرة في هذا المجتمع يهدف إلى استعراض هذا التداخل والتقاطع، وسرد رحلة طويلة من المعاناة التي كللت بخيوط ضوء من النجاحات. فأغانيه ليست سوى تعبير عن منظوره لطبيعة الأشياء، وصرخة عالية أمام تلك المعيارية بأنها (سكة عطش).

قوازية

في البدء، شرعنا بالتعرف عليه. من هو مازن القوز؟ من أين أتت مفردة قوازية؟ ولماذا ارتبط اسمه بإثارة الجدل؟

مازن من مواليد مدينة سنار، نشأ وترعرع في أعرق الأحياء في مدينة بحري بحلة خوجلي، التي نشأ فيها بطابع مخالف للمعتاد: "كانت بت خالتي وكيلة لمدرسة بحري للبنات، وسهلت لي الدراسة فيها حتى الصف السادس أساس". لكن لم يكن هذا الحدث الوحيد الذي يعد مهماً في نشأة وتكوين مازن، فلم تشفع له تركيبة الأسرة الفنية المعاصرة نوعًا ما من السقوط في فخ الذكورية المجتمعية التي تجلت في تسترهم على الانتهاك الذي تعرض له منذ الصغر، خوفًا من الوصم الإجتماعي (الفضيحة).

ما بين شد وجذب الأسرة وضغط المجتمع المحيط به، انتقل مازن إلى مكان أكثر تقبلًا. وعلى الرغم من محدودية الحريات، فإن انتقاله إلى القوز كان بمثابة مساحة احتوته بعد كل ذلك الشتات. يقول مازن: "في القوز كنت بحلحل المشكلات عديييييل"، كدلالة على انخراطه في المجتمع الغير المتحيز ضده. هنا يجدر بنا التوقف قليلاً عند العلاقة التي ربطت مازن بـ م. ق. فوفقاً لمازن لم تقدم تلك العلاقة له بداية جديدة فحسب، بل أيضًا انطلاقة فنية واسعة. يقول: "بدأت الغناء في القوز في القعدات والحفلات، وذلك بعد محاولات إقناع من م. ق بأن هناك فرصًا أفضل هناك، وشوية شوية أصبحت عندي شعبية كبيرة في القوز وبقيت مسيطر على كل الحفلات تقريبًا".

التقبل

من أصعب المراحل في حياة أفراد مجتمع الميم عين هي مسألة اكتشاف وتقبل الذات، وذلك يُعزى لأسباب متعددة منها الضغط الاجتماعي وطرق التنشئة التي تفتقر للدعم والتقبل من الأسرة والوسط المحيط، ما يدفع البعض ربما إلى إنكار أو تجاهل طبيعتهم. أما عن اكتشاف مازن لطبيعة انجذابه الجنسي والعاطفي، فقال: "من وأنا طفل كنت معروفًا إني ود أمي بما أني أصغر البيت والأقرب إليها. وكانت تعاني من غضروف، فكنت دائمًا ملازمًا لها في الأعراس والمناسبات والمراسيل. وكأن شخصية أمي كلها هدت فيني". وفي هذا خروج تام عن معيارية الدور الاجتماعي للرجل، الذي يتوقع منه الحزم والقوة والشدة، بإشارة غير واعية في اللاوعي الجمعي، أن تلك التصرفات مرتبطة حصريًا بالأنثى. وهنا يذكر مازن أنه لم تثر الألعاب التي صنفت اجتماعيًا كألعاب ذكور اهتمامه عندما كان طفلاً: "أصلاً ما لعبت البلي والدافوري. لعبت الحجلة وحتى في لعبة عريس وعروس كنت ألعب دور العروس". وأشار أيضًا إلى أنه كان يعي إحساسه بالاختلاف منذ الطفولة، ومن قبل تعرضه للاعتداء أصلاً: "كنت عارف نفسي كويس حتى من قبل الاعتداء".

على الصعيد ذاته، أضاف مازن: "من عمري 12 سنة بدأت أحنن أمي وأتحنن معها وأشيل الشعر من وجهي"، وهذه إشارة جديدة تُظهر لنا تمرده على السلطة الاجتماعية التي تفرض شكلاً محددًا لما ينبغي أن يظهر عليه الرجل. ومع ذلك، يقول مازن إنه لم يتعرض في طفولته للمضايقة الواضحة، لكن العنف ضده بدأ منذ وصوله لسن العشرين، ويشير ساخراً: "زمان كنت طفل ما كانوا شغالين بي، لكن لما وصلت سن العشرين كان صعب يتقبلوني"، وأضاف ممازحًا: "أظن الطب اتطور". لكن بالرغم من كل الرفض والضغوط والاعتداء، استمر مازن في إبراز ماهيته دون اكتراث لما يفرضه المجتمع، إذ يقول: "اشتغلت حفلات كتيرة لابس فيها هدوم بنات وتقدمت كفنانة وما في زول عرفني، فأكيد أنا دهرية، ويوم الأحد والأربعاء كانوا الناس يدخلوا لي الحفلة بتذاكر عديل". الجدير بالذكر هنا تعريف مصطلح "الدهرية" الذي كان يرمز للسيدة التي تحتوي كل الفئات المنبوذة من المجتمع كأفراد مجتمع الميم عين أو الفتيات الممارس عليهن العنف من قبل العائلة أو المجتمع، وكل الفتيات الخارجات عن المعايير التي وضعها المجتمع وغيرها من الفئات المهمشة. وعادة ما تكون "الدهرية" شيخة زار "كوديا" أو قونه أو سيدة ذات نفوذ اجتماعي في مجتمع الميم عين، وتكون "مرا قادرة" وكلمتها مسموعة و"شيخية" تحظى باحترام كل من هم في "بيت الدهر"، وبيت الدهر هو بيت "الدهرية" الذي يكون ملاذًا لكل من يلجأ إليه. ويشير مصطلح "الدهر" إلى الفترة التي قرر فيها الفرد الخروج ومواجهة المجتمع، فيرمز تاريخ الخروج من الخزانة مثلاً إلى عدد سنين "الدهر"، ويقول الفرد إنه قد مضى عدد كذا من السنين في الدهر، أي عدد السنوات التي قرر فيها مواجهة العالم والخروج من الخزانة.

الزار والفن

جانب آخر من حياة مازن يأخذنا هذه المرة إلى تركيبة اجتماعية مختلفة، لطالما عرفت بأنها إحدى المساحات الأكثر أمانًا واحتواءً لمجتمع الميم عين: الزار. هناك عوامل شتى تؤثر على الممارسة السلوكية في طقوس الزار، من بينها الجهد البدني المبذول ذو الطبيعة الراقصة، إلى جانب المنبهات الحسية التي تغمر أجواء الطقوس في سياق رمزي. يمكن وصفها بأنها تنبع من دافعية انفعالية مكتسبة، مصحوبة بعوامل تحفيز متنوعة، وإيمان راسخ بجدوى الممارسة. يقول مازن إنه قد ورث الزار من جدته، ويعزو الكثير من النجاح الذي كلل مسيرته إلى رضا الأسياد، بينما تجاهله لمطالبهم وغضبهم انعكس سلبًا على حياته، في شاكلة صحية: "النزيف كأنما بشيلوه مني بالطشت، ومن ما يجي الليل بتجي الحمى والصداع. ودوني لأكثر من دكتور لكن ما لقوا لي علاج"، وكذلك مشاكل اقتصادية كفقدانه لصوته الذي كان يعتبره مصدر دخله الأول. تلك المشاكل المادية دفعته لبيع مدخراته ليعيل نفسه، حتى جاء اليوم الذي اضطر فيه لبيع "دبلة الأسياد". يقول مازن هنا: "اليوم مشيت للصائغ وحطيتها في الميزان، أنا ما وعيت بنفسي إلا وأنا في المستشفى". وهذا دفعه للإيمان بكلام جاره الذي كان يعتقد أنه مصاب بالريح الأحمر (الزار)، فقام بإتمام الطقوس التي يرى مازن أنها أتت بأكلها، فقد تلتها انفراجة اقتصادية وصحية في إشارة واضحة لإيمان حسي بتلك الممارسات الروحانية الفلكلورية.

كما أشرنا سابقًا، لا يمكننا الفصل بين مازن الإنسان ومازن الفنان. كلمات وألحان أغنياته تعكس تجاربه الحياتية وآراءه في المجتمع والعلاقات. تفاجأت عندما أخبرني مازن أن لديه أكثر من 500 عمل فني مُلحّن ومكتوب. كثافة الإنتاج هذه تُجبرنا على التوقف والنظر إلى معيارية الفنون التي سمح لها فقط أن تطفو إلى السطح. يقول: "بعد ما طلعت من السودان توقفت عن الغناء وبقيت أكتب وألحن فقط. سكة عطش التي تغنيها هبة جبرة هي كلماتي وألحاني". يعزو مازن القصور الإعلامي لعدم ظهوره، ليس فقط بسبب المجتمع الذي يرفضه، ولكن أيضًا لطبيعة الإنتاج الفني في السودان.

وعن التداخل المميز بين مجتمع الفنانات ومجتمع الميم عين، يقول مازن: "الأولاد هم من يرفعون الفنانات بالمناسبة"، ومصطلح "الأولاد" هنا يشير إلى المثليين. وهناك مثل متداول في مجتمع الميم يقول: "الأولاد عمار البلد"، في دلالة على أهمية وجود أفراد مجتمع الميم في المجتمع وتأثيرهم الكبير، خصوصًا في الوسط الفني. هنا أيضًا إشارة واضحة لطبيعة العلاقة التبادلية والتكافلية بين المجتمعين لتشاركهم نفس المعاناة المتمثلة في الرفض المجتمعي.

رحلة "المروق"

لطالما ارتبط اسم مازن القوز بإثارة الجدل بين داعم ومعارض في وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا الصدد، تساءلنا هل الخروج من الخزانة كان خيارًا سهلاً نظرًا لأنه يعيش حاليًا خارج السودان؟ يقول مازن: "المروق أنا خليته في السودان.. من السودان أنا مارق"، حتى وإن كان على نطاق ضيق، فإن رحلة الصدام مع المجتمع جعلته يجذب اهتمام الكثير في السودان، الذي لم يعهد أفرادًا يجاهرون بكل ما هو محظور. يضيف مازن: "كنت ناذرًا أني إذا خرجت لمكان آمن سأعيش كما أنا وعلى حقيقتي".

ترجمة الضبط الاجتماعي وفرض جنسانيتنا بأطر محددة بالقانون، حولت حياة أفراد مجتمع الميم عين إلى جحيم، مما أفرز العديد من "الناكرات"، حسب قول مازن. واستطرد قائلًا: "كل الذين ينكرون في اللايفات هؤلاء يأتون لي في الخاص". هذا النكران، الذي ليس غريبًا على مجتمع الميم عين، ولد الكثير من العنف في الحياة الاجتماعية المباشرة وغير المباشرة على أفراد المجتمع، تلته محاولات مقاومة وتصدي ورفض لهذه الازدواجية، كما عبر عنها مازن ممازحًا: "الناكرات ديل ما عرفناهم لوطي ماسك الدلوكة ولا راجل ماسك السلوكة"، وفي هذه العبارة سخرية واضحة من تقسيم الأدوار الاجتماعية على أساس هوياتي. لذا شدد مازن على أنه يجب على جميع أفراد مجتمع الميم عين التصالح مع أنفسهم وهوياتهم والفخر بها وعدم الاكتراث بالرفض المجتمعي والضغوط التي يفرضها على حياتهم.

Comments

Popular posts from this blog

إيمي عبدو؛ رحلة الماضي التي غيرت الحاضر والمستقبل

العبور الجنسي، الإرتباك الجندري، وثنائية الجنس في السودان