مجتمع الميم عين والصحة النفسية والممارسات التحويلية




الصحة النفسية لمجتمع الميم عين والممارسات التحويلية

تواجه المجتمعات حول العالم العديد من المشاكل النفسية التي تؤثر على حياتهم، مثل مشاكل الإكتئاب، والقلق وأذى النفس، وإدمان الكحول والمخدرات. لكنها تؤثر على مجتمع الميم عين بدرجة أكبر، وذلك بسبب خصوصية المشاكل والصعوبات التي تواجههم بالأخص في ظل وجودهم في المجتمعات التي ترفضهم، والتي يتعرض فيها أفراد مجتمع الميم عين بصورة يومية إلى: التمييز، رهاب المثلية والعبور الجنسي، الرفض، العزلة الإجتماعية، والتجارب السيئة التي تؤثر على تجربة خروجهم من الخزانة، وجرائم الكراهية. وتزداد معاناة أفراد مجتمع الميم عين عندما يأتيهم هذا الرفض من والديهم والمقربين لهم، الذين في العادة يخضعون أبناءهم لجلسات مع معالجين نفسيين بهدف تعديل ميولهم، الشئ الذي يفاقم أزماتهم النفسية.
فحسب الدراسة التي قامت بها جامعة سان فرانسسكو الأمريكية، التي تقارن بين أفراد مجتمع الميم عين الذين تعرضوا للرفض من قبل آبائهم ومقدمي الرعاية بسبب هويتهم المثلية أو العبور الجنسي، والشباب الذين لم يتعرضوا للرفض أو تعرضوا للقليل من الرفض لنفس الأسباب، فإن الشباب الذين تعرضوا للرفض كانوا:
8.4 مرة أكثر عرضة للإبلاغ عن محاولة الإنتحار.
5.9 مرة أكثر عرضة للإبلاغ عن مستويات عالية من الإكتئاب.
2.4 مرة أكثر عرضة لإستخدام المخدرات غير القانونية.
3.4 مرة أكثر عرضة للخطر العالي من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسياً.
وفي دراسة أخرى تعكس الوضع النفسي لأفراد مجتمع الميم عين بصورة عامة، قامت بها مؤسسة الصحة النفسية والعقلية في بريطانيا، خلصت إلى أن:
نصف أفراد مجتمع الميم عين عانوا من الإكتئاب.
ثلاثة من كل خمسة أفراد من الميم عين عانوا من الإكتئاب.
ثمن أفراد مجتمع الميم عين بين سن 18 – 24 حاولوا الإنتحار.
تقريباً نصف العابرين جنسياً فكروا في إنهاء حياتهم.
واحد من كل ثمانية أفراد يواجه سوء المعاملة من العاملين في القطاع الصحي بسبب جنسانيتهم.
واحد من كل سبعة أفراد يخشى طلب الحصول على المساعدة الطبية والعلاج خوفاً من التفرقة والتمييز.
أفراد مجتمع الميم عين معرضين لسوء استخدام المخدرات والكحول بثلاثة أضعاف.

في السودان نفتقد الإحصائيات التي من الممكن أن تكون مرجعية حقيقية تعبر عن واقع الصحة النفسية وسط أفراد مجتمع الميم عين. لكن مع واقع الرفض المجتمعي والقانوني للمثلية الجنسية والعبور الجنسي أتوقع أن تكون الأرقام أضعاف هذه الإحصائيات التي تم جمعها في دول تحمي قوانينها أفراد الميم عين، ولا تجرمهم.

يعاني الكثير من أفراد المجتمع الكويري في السودان من صعوبات في الوصول لعلاج صديق لجنسانيتهم وميولهم، فيتعامل أغلب الأطباء والمعالجين النفسيين في السودان مع المثلية والعبور الجنسي كمشكلة تستوجب العلاج في حد ذاتها. صرح الإختصاصي النفسي (علي بلدو) في لقاء مع صحيفة الإنتباهة، بتطويره (بروتوكولاً سودانياً) لعلاج المثلية عن طريق جلسات العلاج النفسي وجرعات هرمونية، يتم استخدامه بصورة سرية (بالضرا يابشرا) حسب تعبيره، لأنه يعي تماماً أنها تتنافى مع جميع المراجع العلمية والدراسات، كما تتنافى مع حقوق الإنسان التي تصنف هذه الممارسات نوعاً من انواع التعذيب والإذلال. يزعم إستشاري الأمراض العقلية والعصبية، أن هذا البروتوكول عالج 1200 حالة في شهر واحد. ولا يمكنني وصف هذا التصريح سوى بالكذب البواح.
سرد لي صديق مثلي (ع.ب) تجربته مع العلاج النفسي المعادي للمثلية، حيث إدعت الإختصاصية النفسية التي كان يرتاد عيادتها بصورة دورية في الخرطوم أنها ستبدأ معه جلسات بهدف تحويل ميوله للمغايرة: "قالت أن المشاعر العاطفية والجنسية التي أشعر بها تجاه الرجال مجرد حالة مؤقتة يمكن أن تنتهي وتعود لطبيعتها –تقصد المغايرة- فقط بالعلاج المناسب والصحيح. وضعي النفسي حينها وعدم تقبلي لميولي جعلاني أقتنع بما قالته، وبدأت معها سلسلة من الجلسات التي صاحبتها العديد من الوصفات الطبية، أعتقد انها كانت ستيرويدات وهرمونات". سألته بالطبع عن وضعه النفسي في تلك الفترة، فتنهد قائلاً: "أسوأ من قبل، خصوصاً خيبة الأمل الكبيرة التي كانت تراودني كلما شعرت بانجذاب نحو أحدهم، اعتقدتُ أن حالتي ميؤوس منها، خصوصاً عندما كانت تردد أن العلاج أفاد عدداً من الشباب، الشئ الذي جعلني أشعر بالذنب المتواصل".

وهناك العديد من التجارب لأفراد من مجتمع الميم عين مع العلاج النفسي الذي هدفَ لتغيير ميولهم في المقام الأول دون الإهتمام بالمشاكل النفسية الحقيقية التي يعانون منها. فيتم إيهامهم أن هذه الممارسات التحويلية ستغير ميولهم من المثلية إلى المغايَرة، وبالتالي سيتحسنون تلقائياً من المشاكل النفسية الأخرى كالإكتئاب والقلق. ويتراوح في العادة العلاج من جلسات نفسية، إلى جلسات علاجية قد تتضمن الصعق بالكهرباء، وجلسات وعظ دينية، بالإضافة بالطبع للعقاقير الطبية التي لا تستند على أي ممارسات عملية، أو مرجعيات علمية. بل كل الدراسات أثبتت فشلها وأضرارها النفسية الكبيرة على الذين خضعوا لتلك التجارب المؤذية التي تسببت في حدوث صدمات نفسية وإختلالات هرمونية، تساهم في عزوف أفراد المجتمع عن طلب العون النفسي واليأس من إيجاد علاج مناسب لا يعاديهم. ذكرت لي إحدى الصديقات من أفراد المجتمع (س.ص)، أنها فقدت القدرة على التواصل مع المعالجين النفسيين بعد تجربتها مع طبيب نفسي سخر منها ومما تمر به من عدم تقبل لميولها: (بعد التجربة السيئة التي مررت بها سابقاً، صرت لا أستطيع التواصل مرة أخرى، عقلي يرفض الفكرة تماماً، ولا أعتقد أنني سألجأ للعلاج النفسي قريباً. أعتقد أنني أحتاج المزيد من الوقت.)

لا نعلم بالطبع العدد الحقيقي للأفراد مجتمع الميم عين السوداني الذين خضعوا لهذا العلاج. ولا يمكننا التعويل على أرقام علي بلدو، لكن القصص السماعية المتداولة تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن العدد ليس بالقليل. وفي العالم هناك أعداد ضخمة كانت ولا زالت تلجأ لتلك الممارسات التحويلية بغرض التوافق مع المجتمعات ومع معتقداتهم الدينية. ففي إحصائية أجراها معهد ويليمز بجامعة كالفورنيا الأمريكية؛ "ثبت أن هناك 698,000 من البالغين من مجتمع الميم عين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 – 25 في أمريكا، قد تلقوا علاجاً تحويلياً، بما في ذلك حوالي 350,000 منهم تعرضوا لذلك في سن المراهقة".

ماهي ممارسات التحويل؟

هي التدخلات الغير علمية والغير طبية التي يُراد بها تغيير الميول الجنسي من الإنجذاب لنفس الجنس، إلى الإنجذاب للجنس الآخر، أو تغيير التعبير الجندري للفرد بهدف تشجيع المغايرة الجنسية والإرتباط بالثنائية الجنسية في المجتمع كنتائج مُفَضلة لهذا التدخل. وكذلك يدخل الجهد الذي يهدف لتغيير الهوية الجندرية للأشخاص الذين لا تتوافق هويتهم الجندرية مع تركيبهم الجنسي (العابرين/ـات جنسياً) في نطاق هذه الممارسات. نشأت هذه التدخلات في الأصل إعتماداً على إعتقاد خاطئ يصنف المثلية الجنسية وتنوع الهويات الجندرية كاضطراب نفسي مرضي بناءً على معتقدات إجتماعية ودينية قديمة. رغم وجود العديد من الأدلة التي تثبت أن هذه الممارسة تزيد من إحتمالية الإصابة بالأمراض العقلية والنفسية، أو تفاقمها في حالة كان الفرد مصاباً بها، وتسبب أضراراً نفسية وجسدية طويلة الأمد.

ويتنامى الخطر من هذه الممارسات يوماً بعد يوم، ويؤثر على جودة حياة أولئك الأفراد الذين هم في الأغلب في سن المراهقة. فرفع خبير الأمم المتحدة المستقل المعني بالميول الجنسية والهوية الجنسانية فيكتور مادريغال تقريره أمام مجلس حقوق الإنسان عام 2020، داعياً إلى التعاون الدولي من أجل فرض حظر عالمي على ممارسات علاج التحويل. وأضاف: "أن هذه الممارسات تمييزية بطبيعتها وترقى إلى حد المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، والتي قد تصل إلى حد التعذيب وفقاً لحدتها ومعاناة الضحية والألم الجسدي والعقلي الذي يلحق بها"، وأعطى أمثلة عن الأساليب المعتمدة في هذه الممارسات وهي: الإساءة الجسدية والنفسية والجنسية، والصعق بالكهرباء والأدوية القسرية، والعزل والحبس، والإساءة اللفظية والإذلال. وأشار إلى أن أقصى درجات هذه الممارسات قد تصل إلى إخضاع الضحايا لعمليات تأكيد النوع الإجتماعي في حالة فشل كل الأساليب السابقة في كبح ميولهم الجنسي.
من المهم أن نذكر أمثلة لمواقف أهم المؤسسات العلمية والطبية المعنية بالصحة النفسية من الممارسات التحويلية، والأهم أن نذكر أن أغلب هذه المؤسسات استبدلت المصطلح القديم (علاج التحويل)، إلى مصطلح الممارسات التحويلية لأنها ليست علاجاً حقيقياً.
1- الأكادمية الأمريكية لطب نفس الأطفال والمراهقين:
لا تجد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال والمراهقين دليلاً يدعم تطبيق أي (تدخل علاجي) يعدُّ التوجه الجنسي والهوية الجندرية و/أو التعبير الجندري مرضياً.
وبالإستناد إلى الأدلة العلمية، نجدها تؤكد أن مثل هذه العلاجات التحويلية أو التدخلات الأخرى المفروضة بقصد تعزيز توجه جنسي أو جندر معين تفتقر إلى المصداقية العلمية والفائدة السريرية.
وإضافةً إلى ذلك، توجد أدلة بأن مثل هذه التدخلات ضارة، ولهذا السبب يجب ألا تكون ممارسات التحويل جزءاً من أي علاج صحي سلوكي للأطفال والمراهقين.
2- كلية الأطباء الأمريكية:
لا تدعم الأبحاث المتوفرة استخدام الممارسات الإصلاحية كطريقة فعالى لعلاج أفراد مجتمع الميم عين وفقاً لكلية الأطباء الأمريكية. وتشير الأدلة إلى أن هذه الممارسات تسبب في الواقع أذى عاطفياً أو جسدياً أو نفسياً عند أفراد مجتمع الميم عين، ولاسيما المراهقين والشباب.
3- الجمعية الطبية الـأمريكية:
لم يعد التدخل السلوكي أو الطبي الذي يربط السلوك غير المرغوب فيه، كالسلوك المثلي موصى به. وتعارض الجمعية إستخدام علاج التحويل أو الإصلاح الذي يفترض أن المثلية الجنسية إضطراب عقلي أو أن على المريض تغيير توجهه المثلي.
4- الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين:
تجد الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين أن أساليب العلاج النفسي لتحويل أو إصلاح المثلية الجنسية تعتمد على نظريات مشكوك بمصداقيتها العلمية. وعلاوة على ذلك فإن التقارير عن وجود نتائج تحويل، تقابلها العديد من تقارير وإدعاءات عن الأذى النفسي. ولم يستطع ممارسوا التحويل في العقود الأربعة الأخيرة، إنتاج أي بحث علمي دقيق يثبت إدعاءاتهم بفعالية ممارستهم؟
5- جمعية علم النفس الأمريكية:
تؤكد جمعية علم النفس الأمريكية أن الإنجذاب العاطفي والجنسي للجنس نفسه والمشاعر والسلوكيات المثلية هي إختلافات طبيعية للنشاط الجنسي البشري، بغض النظر عن هوية التوجه الجنسي.
وخلصت الجمعية إلى عدم وجود أدلة كافية تدعم وجود أدلة كافية تدعم استخدام التدخلات النفسية لتغيير التوجه الجنسي.
وتنصح الآباء والأوصياء وعائلاتهم بتجنب محاولات تغيير الميول الجنسية التي تصور المثلية الجنسية على أنها اضطراب عقلي، أو اضطراب تطوري.
6- الجمعية الكندية الإحترافية لصحة العبور الجنسي:
من الواضح أن الممارسات التحويلية التي توصي الآباء بجعل حبهم ودعمهم لأبنائهم مشروطاً بتحجيم هويتهم الجندرية، وتعبيرهم الجندري غير متوافقة مع كل مؤسسات الصحة العقلية والنفسية، ولا مكان لها في الممارسة الإحترافية.
7- النظام الصحي الوطني في بريطانيا:
العاملين في القطاع الصحي لا يجب عليهم إجراء، أو تشجيع، أو إحالة الأفراد إلى أي نوع من أنواع الممارسات التحويلية. ممارسة التحويل لاأخلاقية، ومؤذية.
8- الكلية الملكية للأطباء النفسيين:
تستخدم الجهات التي تمارس التحويل علاجات نقسية وصحية بصورة غير سليمة ومخلة بإستخداماتها الأساسية. لا يوجد إثبات علمي على إستخدام علاجات طبية أو نفسية من أجل التحويل، وهذه الممارسات والتطبيقات الخاطئة تعتبر غير مقبولة.


كل هذه المواقف كما أسلفت بُنِيَت على أسس علمية وبحثية مكثفة، وتم نشرها في العديد من المراجع ومواقع النشر العلمي، ومع ذلك لا يتحسس الإستشاري علي بلدو وأمثاله من الأطباء والمعالجين النفسيين أخلاقياتهم وهم يمارسون هذه الإجراءات المؤذية الغير علمية والتي لا نجد لها أثراً في المكتبات العلمية في السودان. إستغلالهم لواقع مجتمع الميم عين الذي يفتقر للعون والإرشاد النفسي الذي من الممكن أن يساهم في تقبل ذواتهم وتخطي المشكلات التي يعانون منها بسلام، يحولهم من مصدر للعلاج والوصول للراحة والسكينة النفسية، إلى متسببين في الأذية النفسية بصورة مقصودة ومتعمدة إعلاءً لقيم معتقداتهم الشخصية. ولا يمكن فصل هذه الواقع الصحي السئ عن النظام في الدولة. ففي السودان تتعامل كل المؤسسات الصحية والقانونية والعدلية، مع المثلية الجنسية والعبور الجنسي كسلوكيات مرفوضة ومجرمة، بالتالي الإهمال وعدم الإهتمام بتحسين جودة الرعاية النفسية لهم وجعلها مواكبة لكل القواعد الطبية العلمية يصبح أمرٌ واقع لا محالة.

رفض ممارسات التحويل للميول والهويات الجندرية من الضروري أن يكون مبداً طبياً أخلاقياً، حتى وإن لم يتوافق مع القيم الدينية والإجتماعية للطبيب أو المعالِج. ومن المهم أن تتجه كل حراكات ومؤسسات المجتمع المدني نحو منع العاملين في قطاع الصحة النفسية من ممارسة هذه الإجراءات وتعريض أفراد المجتمع الكويري للأذى النفسي و/أو الجسدي.

وفي يوم الصحة النفسية أتمنى أن يتجنب أفراد مجتمع الميم عين أي شكل من أشكال الممارسات النفسية التي ترفض طبيعتهم المتمثلة في ميولهم وجنسانيتهم. وأشدد على أهمية طلب العون النفسي والعلاج، لكن لابد من البحث بعناية عن المعالجين والأطباء الذين يوفرون بيئة علاجية صحية غير معادية للمثلية.



سمسم

Comments

Popular posts from this blog

إيمي عبدو؛ رحلة الماضي التي غيرت الحاضر والمستقبل

مازن قوازية

العبور الجنسي، الإرتباك الجندري، وثنائية الجنس في السودان