قراءة كويرية للفن السوداني : من الحقيبة إلى القونات وعالم تيكتوك


هل المشكلة أنّ الكوير موجودون؟ أم أنهم باتوا ظاهرين؟

السؤال الخطأ داخل مجتمعاتنا المستلَبة : من أين ظهر الكوير؟
السؤال الأصحّ: مَن قال إنهم لم يكونوا هنا أصلًا؟

كتابة: نور

في كلّ مرة يطلع نقاش عن الكوير في السودان، ونقصد بهم المثليين والمثليات ومجتمع الميم عين عموماً، يُتعامَل مع وجودنا كأنه حادثة طارئة: شيء جديد، دخيل، مستورَد، جاءت به السوشيال ميديا، أو المنظمات، أو الغرب، أو بحسب الخطاب الأخلاقي المحافظ، انهيارٌ في القيم.

لكن لو أخذنا الفن السوداني بجدية، لا كمجرد ترفيه بل كأرشيف اجتماعي، كوثيقة عاطفية، كمرآة لما يحاول المجتمع إخفاءه عن نفسه، فربما نصل إلى استنتاج مزعج للبعض: الكوير لم يظهروا فجأة. كانوا هنا دائمًا، في الأغاني، في الرقص، في التمثيل، في الكتابة، في اللغة والقصص.

المشكلة لم تكن يوماً وجود الكوير، بل ظهورهم.

لأن المجتمعات المحافظة، والسودان ليس استثناءً، لا تنزعج دائمًا من الاختلاف طالما هو صامت، مشفَّر، وقابل للإنكار. يمكن تحمُّل المختلِف طالما لا يطلب أن يُرى، طالما لا يُسمّي نفسه، طالما لا يطالب بمساحة داخل الخيال العام.

ما يُخيف فعلًا ليس وجود الكوير، بل لحظة توقّفهم عن الاختباء. وهنا يصبح الفن السوداني وثيقةً مهمة.

،،،

الحقيبة: الرغبة في زمن التلميح


أغاني الحقيبة لم تكن فقط قصائد حب. كانت نظامًا كاملًا من الالتفاف، والتلميح، والمراوغة العاطفية. في مجتمع يراقب اللغة، ويضبط الرغبة، ويخاف من الفائض العاطفي، حتى الحبّ نفسه كان يحتاج قناعًا.

صوت ذكوري يغنّي هشاشةً واشتياقًا وانتظارًا وانكسارًا، وله بالجمال، يُزيّن المحبوب بطريقة تتجاوز أحيانًا النموذج الصلب للرجولة الذي يحبّ المجتمع السوداني أن يتخيّله عن نفسه. رجال يغنّون الضعف، والاحتياج، والحنين، والافتتان بتفاصيل الجسد والجمال، دون ذلك الخوف المعاصر من "تهديد الرجولة".

ومن أكثر الأمثلة إثارةً في هذا السياق: فضل المولى زنقار، الملحن والمغني والممثل، الذي دخل عالم الفن من باب الصوت النسائي، تلميذًا لرابحة تمتم، متشرّبًا أسلوبها حتى صار هذا الصوت هويّته الفنية لا مجرد أداء. زنقار لم يكن يؤدّي دورًا، كان يوجد بالطريقة الوحيدة التي عرف فيها نفسه فنانًا، في زمن لم يكن فيه هذا التجاوز مسمًّى ولا محاكَمًا.

هل هذا دليل على أنّ الحقيبة كانت "كويرية"؟ لا. لكنّ السؤال الأكثر إثارة: لماذا نفترض تلقائيًا أنّ كل تعبير عاطفي أو جمالي في الماضي كان موافيًا لمعايير السائد والنمطي اليوم؟ لماذا يُفترض أنّ التاريخ كان متجانسًا، واضحًا، ونظيفًا بهذه الصورة التي نحبّ تخيّلها؟

القراءة الكويرية للحقيبة لا تعني الادعاء بأنّ الفنانين أو الشعراء كانوا بالضرورة كويرين/كويريات. بل تعني رفض فكرة أنّ الماضي كان بلا تعقيد جندري أو عاطفي. تعني قراءة الفن باعتباره مساحةً كانت تسمح بمرونة أكبر مما يسمح به الخطاب الأخلاقي المباشر.

وربما الأهمّ من ذلك: أنّ الغموض نفسه كان أداةَ نجاة. لأنّ المجتمعات التي لا تسمح بالتصريح تُنتج فنونًا تعيش بالتلميح.

،،،

الكوير والفن السوداني: هل كانوا جمهورًا فقط؟


إذا كان فضل المولى زنقار مثالًا على التجاوز الصامت داخل المنظومة الفنية، فإنّ السؤال الأوسع يظل مفتوحًا: هل كان الكوير مجرد مستقبلين للفن السوداني، أم أنّ أثرهم كان أعمق من ذلك؟

أثرُ الكوير في الفن السوداني لم يكن فقط عبر الاستقبال أو التماهي، بل عبر الكتابة نفسها: الكلمات، والذائقة، والأداء الجريء، وأحيانًا الحكم، وأشكال معينة من المبالغة الجمالية التي صنعت جزءًا من الوجدان الغنائي السوداني.

توجد روايات شفاهية وأسماء تُهمَس بها وقصص تتحرك في الظل، تُحكى باعتبارها جزءًا من تاريخ غير رسمي للفن، تاريخ ظلّ خارج الأرشيف العام بسبب الوصمة، والخوف، والرقابة الاجتماعية.

قد لا يمكن توثيق كل هذه الروايات بسهولة، لكنّ السؤال الذي تفتحه مهمّ: لماذا يُفترض تلقائيًا أنّ منتجي الثقافة السودانية كانوا جميعًا متوافقين تمامًا مع القوالب الأخلاقية السائدة؟

ماذا لو كان بعض الإحساس، وبعض اللغة، وبعض الأداء، وبعض الخيال العاطفي الذي نحبّه في الأغنية السودانية قد خرج أصلًا من تجارب تعيش على الهامش؟

ربما ما يصدم البعض اليوم ليس ظهور الكوير، بل احتمال أنهم كانوا دائمًا جزءًا من صناعة الذاكرة الثقافية نفسها.

،،،

أغاني القونات: الثورة الآنية


لكن إذا كانت الحقيبة تشتغل بالتلميح والغموض المحسوب، فأين يذهب من لا يريد أن يختبئ؟ هنا تدخل أغاني القونات.

في كثير من الأغاني النسائية السودانية الحديثة، تظهر امرأة بكامل أناقتها، محاطة بالشباب والشابات، تستعرض قوّتها وتُعيد تعريف الواقع بلغة مفهومة وبسيطة، وتشكّل واقعًا جديدًا واضحًا مباشرًا: استعراض، وغضب، وقوّة، ومبالغة في الأداء، وجرأة لغوية، وإصرار على الحضور.

وهنا تصبح القراءة الكويرية مثيرةً للاهتمام. ليس لأنّ الفنانات كوير، بل لأنّ الأداء نفسه يخلق مساحةً تتحدّى الحدود الضيّقة للجندر والاحترامية الاجتماعية.

في الثقافة الكويرية عالميًا، المبالغة الجمالية والأداء المسرحي لطالما كانا وسيلةَ مقاومة: تحويل السخرية إلى قوّة، والهامش إلى استعراض، والعار إلى شيء لامع.

وهذا يفتح سؤالًا مهمًا في السودان: لماذا تنجذب مجتمعات كويرية كثيرة إلى أغاني القونات؟ هل لأنها مُطرِبة للسمع فقط؟ أم لأنها تُقدّم خيالًا للنجاة؟ خيالًا للظهور؟ خيالًا لشخص لا يعتذر عن نفسه؟

ولعلّ قوازية باريس يجسّد هذا التقاطع بوضوح. شاعر وكاتب أغاني كويري بارز، يكتب للقونات ويظهر أحيانًا بهيئة رجولية وأحيانًا أنثوية، بنى جمهورًا حقيقيًا في الوسط الفني وعلى تيك توك. ردود الفعل عليه تتراوح بين الإعجاب والقبول الفني من جهة، وموجات من الهوموفوبيا الصريحة من جهة أخرى. لكنّ ما يميّز قوازية باريس أنه لا يطلب الإذن: هو يكتب، يظهر، ويُعيد تعريف ما يعنيه أن تصنع فنًا سودانيًا من خارج القالب المتوقَّع.

في مجتمع يريد أجسادًا مطيعة، وأصواتًا منخفضة، ورغبات مختبئة، تبدو أغاني القونات كأنها مساحة للإفراط ضدّ الانضباط: صوت عالٍ بدل الصمت، وزينة بدل الاختفاء، ومبالغة بدل الاعتذار.

،،،

نجوم تيك توك


لكنّ القونات كانت لا تزال مساحةً نسبيًا محدودة، حفلات، تجمعات، فضاءات اجتماعية معروفة الحدود. ما غيّر المعادلة كليًا هو الفضاء الرقمي.

على منصات مثل تيك توك، ظهرت شخصيات كويرية علنية لا تطلب الإذن لتوجد. شخصيات مثل قوازية باريس لا تمثّل فقط "وجودًا كويريًا"، بل تمارس شيئًا أكثر إرباكًا للمجتمع: إعادة كتابة الجندر نفسه أمام الجمهور.

هنا يقول بعضهم: "المشكلة ليست الظهور، المشكلة الوجود نفسه." وهذا الصوت موجود وينبغي أن نعترف به. لكنّ الحقيقة التي تكشفها التجربة اليومية هي أنّ الأغلبية تتعامل بشكل مختلف مع الكوير الصامت والكوير الظاهر. المجتمع السوداني طالما احتوى "المختلف" طالما بقي في حدوده غير المُعلَنة، في السر، في التلميح، في ما لا يُسمَّى. ما يُحدث الصدمة الحقيقية ليس الوجود، بل الجرأة على الظهور. وهذا الفرق ليس تفصيلًا، هو جوهر الموضوع.

ردّ الفعل تجاه هذه الشخصيات غالبًا يُقرأ باعتباره رفضًا للميول الجنسية أو الهوية. لكنّ الذعر ربما أعمق من ذلك. ربما المشكلة الحقيقية هي كسر قواعد الأداء.

لأنّ الجندر في السودان ليس فقط مَن أنت، بل كيف يجب أن تكون. كيف تتحرّك. كيف تضحك. كيف تتكلّم. كيف ترقص. كيف يبدو صوتك. كيف يجب أن يبدو مظهرك في الفضاء العام.

ولذلك، حين يظهر شخص يكسر هذه القواعد علنًا، يحدث ارتباك جماعي، ليس لأنّ المجتمع لم يرَ هذا من قبل، بل لأنه اعتاد رؤيته في الظلّ.

،،،

النظرية الكويرية في السودان: التطبيق العملي


هنا تصبح النظرية الكويرية مفيدة، خصوصًا فكرة "الأدائية الجندرية". الفكرة ببساطة: الجندر ليس حقيقة ثابتة داخل الإنسان، بل شيء يُؤدَّى يوميًا، سلسلة من الأفعال المتكررة التي تجعلنا نبدو "رجالًا" أو "نساءً" بالطريقة التي يريدها المجتمع.

المشي. الصوت. الملابس. الضحك. الحركة. طريقة الجلوس. حتى طريقة الرقص. كلها جزء من الأداء.

لكنّ المثير في السودان أنّ كثيرًا من الكوير يُطبّقون هذه الفكرة عمليًا دون الحاجة لقراءة أي كتب نظرية: في حفلات القونات، وفي بيوت الزار، وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي اللعب على الأنوثة أو الرجولة وكسر الأدوار النمطية.

الجندر يتحوّل من قانون صارم إلى مساحة لعب، ليس لعبًا بمعنى السطحية، بل بمعنى التجريب، والنجاة، واختبار إمكانيات أخرى للوجود.

الهدف: صناعة مساحة يمكن فيها التنفّس. مساحة يصبح فيها الجسد أقلّ خوفًا. مساحة يمكن فيها لشخص أن يرى نفسه للحظات.

وربما هذا تحديدًا ما يجعل الفن مخيفًا للرقابة. لأنّ الرقابة لا تخاف فقط من الأفكار. ما يُخيفها فعلًا هو اللحظة التي يسمع فيها شخص أغنيةً أو يشاهد مقطعًا فيُدرك: "أنا ما براي في الدنيا دي." لحظة يكتشف فيها أنّ ثمة طريقة أخرى يمكن أن يعيش بها نفسه. لحظة يصبح فيها الفن بيتًا مؤقتًا لمن لا يملكون بيتًا اجتماعيًا.

،،،

ربما المشكلة لم تكن يومًا أنّ الكوير موجودون. المشكلة أنّ بعضهم لم يعد يقبل أن يكون غير مرئي، أنهم لم يعودوا يكتفون بالتلميح، أنهم صاروا يطالبون بحقّ الظهور، لا كأسرار اجتماعية، بل كأشخاص عاديين.

وإذا كان السودان يريد أن يسأل السؤال الصحيح، فربما ليس: "من أين ظهر الكوير؟" بل: "لماذا نرتعب حين يصبح ما كان دائمًا موجودًا مرئيًا؟"

الفن السوداني، من الحقيبة إلى أغاني القونات، ومن أغاني البنات إلى تيك توك، ظلّ دائمًا يترك الباب موارَبًا. البعض فقط قرّر أخيرًا أن يدخل من الباب بدل الوقوف خارجه.

في الختام 
لم يكن الكوير فقط مستهلكين للفن، بل مساهمين في تشكيله.

Comments

Popular posts from this blog

إيمي عبدو؛ رحلة الماضي التي غيرت الحاضر والمستقبل

العبور الجنسي، الإرتباك الجندري، وثنائية الجنس في السودان

مازن قوازية